recent
الموضوعات

القضاء الاداري والدستوري موضوع الرقابة علي دستورية القوانين

تُعد الرقابة على دستورية القوانين أحد الأعمدة الأساسية لضمان احترام الدستور والحفاظ على مبدأ سيادة القانون. وفي النظام القانوني المصري، أُنيطت هذه الرقابة بالمحكمة الدستورية العليا باعتبارها الهيئة القضائية المستقلة المختصة وحدها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح. غير أن الممارسة الدستورية والتشريعية قد أفرزت ما يُعرف اصطلاحًا بـ"ما يَحْلُق الرقابة على دستورية القوانين"، وهو تعبير يُطلق على بعض الإجراءات أو الصيغ التي يستخدمها المشرع لتجاوز الرقابة القضائية على الدستورية، سواء بقصد أو دون قصد، مما يثير جدلًا قانونيًا ودستوريًا هامًا.

قانونك yourlaw| القضاء الاداري والدستوري موضوع الرقابة علي دستورية القوانين

المقصود الرقابة الدستورية

يقصد بـ "ما يَحْلُق الرقابة على دستورية القوانين" تلك التدابير أو الصيغ التي تُفرغ الرقابة الدستورية من مضمونها، أو تُعطل فاعليتها، أو تحول دون تمكين المحكمة الدستورية العليا من ممارسة اختصاصها، بشكل مباشر أو غير مباشر. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود نية تشريعية سيئة، لكنه يطرح إشكاليات قانونية حول مدى احترام المشرع لحدود اختصاصاته واحترامه لمبدأ سمو الدستور.

صور ما يحلق الرقابة على دستورية القوانين

١- استخدام القرارات بقوانين في غير أوقات الضرورة

نص الدستور المصري في المادة (١٥٦) على أن لرئيس الجمهورية، عند غياب مجلس النواب، أن يُصدر قرارات لها قوة القانون إذا اقتضت الضرورة ذلك، على أن تُعرض وتُقر من البرلمان خلال 15 يومًا من انعقاده. ومع ذلك، أُثير في التطبيق استخدام هذه الأداة التشريعية في غير وقت الضرورة، وبشكل يُعطّل دور البرلمان والرقابة اللاحقة للمحكمة الدستورية، خاصة إذا ما تم تمرير هذه القرارات دون مناقشة حقيقية أو رقابة سياسية فعالة.

مرجع قانوني: المادة ١٥٦ من دستور جمهورية مصر العربية ٢٠١٤.

٢- تحصين بعض التشريعات من الرقابة الدستورية

في بعض الحالات، يلجأ المشرع إلى تضمين قوانين أو لوائح نصوصًا تُحصّن قرارات أو أحكام بعينها من الطعن بعدم الدستورية. وقد تصدت المحكمة الدستورية العليا لمثل هذه المحاولات، مؤكدة أن "التحصين التشريعي لأي عمل إداري أو قانوني من الرقابة القضائية، يُعد افتئاتًا على مبدأ المشروعية وسيادة القانون"، وأنه لا يجوز أن يُحصّن أي نص من الرقابة الدستورية.

مرجع قضائي: حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم ٧٠ لسنة ١٨ قضائية "دستورية"، جلسة ٦ مارس ١٩٩٩.

٣- استخدام اللوائح التنفيذية لتعديل أو تجاوز أحكام القوانين

في بعض الأحيان، تُصدر السلطة التنفيذية لوائح تنفيذية تنطوي على أحكام جديدة لم يرد بها نص في القانون، أو تخالفه. وبما أن المحكمة الدستورية تختص فقط بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، فإن مثل هذه اللوائح قد تنجو من الرقابة إن لم تُطعن مباشرة، وهو ما يُضعف من فاعلية الرقابة على القوانين.

مرجع قانوني: المادة ١٩٢ من الدستور المصري: "تتولى المحكمة الدستورية العليا الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح".

٤- تضمين الدستور نصوصًا تحصّن قوانين أو نتائجها

في بعض الوثائق الدستورية، قد يتم إدراج نصوص تُحصّن قوانين بعينها من الرقابة الدستورية، كما حدث في بعض الدساتير المقارنة. أما في الحالة المصرية، فقد أثار الجدل نص المادة (٢٣٢) من دستور ٢٠١٢ (الملغى) التي كانت تُقصي بعض الشخصيات من العمل السياسي، وقد اعتبر البعض هذا النوع من النصوص "تشريعًا دستوريًا" يهدف إلى قطع الطريق على رقابة المحكمة الدستورية، رغم ما فيه من مساس بالحقوق والحريات.

موقف المحكمة الدستورية العليا من الظاهرة

أبدت المحكمة الدستورية العليا حساسية قانونية عالية إزاء محاولات التحايل على اختصاصها. وقد رسخت في العديد من أحكامها مبدأ "عدم جواز تحصين أي عمل تشريعي من الرقابة القضائية"، وأكدت أن سيادة الدستور تقتضي أن يكون كل عمل يخالفه عرضة للطعن بعدم الدستورية.

أمثلة من أحكام المحكمة:

١- الحكم في القضية رقم ١١٤ لسنة ٢٧ قضائية "دستورية"، بشأن عدم جواز تحصين قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية.
٢- الحكم في القضية رقم ١٠١ لسنة ٣٠ قضائية "دستورية"، بشأن عدم جواز حرمان فئة من المواطنين من الطعن القضائي على قرارات تمس مراكزهم القانونية.

الآثار القانونية المترتبة على هذه الظاهرة

تُفضي ظاهرة ما يَحْلُق الرقابة على دستورية القوانين إلى نتائج سلبية عديدة، منها:

١- تقويض مبدأ سمو الدستور، إذ تُصبح بعض القوانين أو اللوائح بمنأى عن الرقابة الدستورية.
٢- إهدار مبدأ الفصل بين السلطات، من خلال تمكين السلطة التشريعية أو التنفيذية من الإفلات من الرقابة القضائية.
٣- المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم، إذا ما تم تمرير تشريعات مخالفة للدستور دون إمكانية مراجعتها قضائيًا.

الحلول المقترحة والتوصيات

١- تعزيز دور المحكمة الدستورية العليا من خلال تمكينها من الرقابة السابقة على مشروعات القوانين الحساسة، وخاصة المتعلقة بالحقوق والحريات.
٢- تعديل النصوص التي تسمح بالتحصين أو الغموض في تطبيق الرقابة، مع ضمان ألا تُستخدم الأداة التشريعية لإقصاء اختصاص المحكمة.
٣- تفعيل الرقابة السياسية من البرلمان على القرارات بقوانين واللوائح التنفيذية، للتأكد من التزامها بأحكام الدستور.
٤- نشر الثقافة الدستورية بين القانونيين والمواطنين لتعزيز الوعي بأهمية الرقابة على دستورية القوانين في حماية النظام الديمقراطي وسيادة القانون.

إن الرقابة على دستورية القوانين ليست مجرد إجراء قضائي، بل هي صمام أمان لحماية الدستور والحريات العامة. وأي محاولة لتحييد هذه الرقابة، أو الالتفاف عليها، تمثل خطرًا مباشرًا على دولة القانون. ومن ثم، فإن مواجهة ما يَحْلُق الرقابة على دستورية القوانين في النظام المصري يُعد ضرورة ملحة، سواء من خلال تطوير أدوات الرقابة، أو من خلال ترسيخ الثقافة الدستورية والشفافية التشريعية.

google-playkhamsatmostaqltradentX