يشكل التمييز بين التشريعات العادية واللوائح أحد المواضيع الجوهرية في النظام القانوني المصري، لارتباطه الوثيق بمبدأ المشروعية، وفصل السلطات، وتدرج القواعد القانونية. ويهتم القضاء الإداري والدستوري المصري بوضع الحدود الفاصلة بين عمل المشرع (السلطة التشريعية) وأعمال السلطة التنفيذية التي تصدر اللوائح. في اطار هذه الموضوع سوف يتناول بالدراسة والتحليل الإطار النظري والعملي لهذا التمييز، وفقًا لأحكام الدستور والقوانين المنظمة لاختصاصات كل سلطة، مع الإشارة إلى التطبيقات القضائية والمراجع القانونية ذات الصلة.
![]() |
| قانونك yourlaw| القضاء الاداري والدستوري موضوع التشريعات العادية واللوائح |
مفهوم التشريعات العادية
١- تعريف التشريعات العادية: التشريع العادي هو القواعد القانونية التي تصدرها السلطة التشريعية (مجلس النواب) في الموضوعات التي لا تدخل ضمن التشريع الدستوري أو التشريعات الفرعية (اللوائح). وتعد القوانين العادية المصدر الأصيل للقواعد العامة المجردة التي تنظم الحقوق والواجبات.
٢- الأساس الدستوري للتشريعات العادية
جاء الدستور المصري لسنة ٢٠١٤ (وتعديلاته) ليؤكد سلطة مجلس النواب في إصدار القوانين، حيث نصت المادة (١٠١) على أن: "يتولى مجلس النواب سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة..." وتعتبر هذه المادة المرجع الأساسي لصلاحيات السلطة التشريعية.
٣- خصائص التشريع العادي
- يصدر عن السلطة التشريعية المنتخبة.
- يتضمن قواعد عامة ومجردة.
- يخضع للرقابة الدستورية من المحكمة الدستورية العليا.
- لا يجوز تعديله أو إلغاؤه إلا بتشريع مماثل.
مفهوم اللوائح وأنواعها
١- تعريف اللوائح: اللوائح هي قواعد قانونية تصدرها السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء) لتنظيم تنفيذ القوانين أو تنظيم بعض الأمور الإدارية والتنظيمية.
٢- الأساس الدستوري لإصدار اللوائح
جاء في المادة (١٧٠) من الدستور المصري أن: "السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقًا للقانون."
أما ما يخص السلطة التنفيذية، فإن المادة (١٦٧) نصت على أن: "يمارس رئيس مجلس الوزراء الاختصاصات المنصوص عليها في الدستور والقانون..." ومن ثم، فإن إصدار اللوائح هو من اختصاصات السلطة التنفيذية، وفقًا للقانون.
٣- أنواع اللوائح
أ. اللوائح التنفيذية
- تصدر عن رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء.
- هدفها: تنفيذ القوانين العادية من خلال تفصيل الأحكام العامة فيها.
- مرجعها القانون الذي تصدر لتنفيذه.
ب. اللوائح التنظيمية (اللوائح المستقلة)
- تنظم موضوعات لا يشملها تشريع.
- تصدر بموجب التفويض العام للسلطة التنفيذية في تنظيم الشؤون الإدارية والتنظيمية.
- مثال: لائحة شؤون العاملين في الجهات الإدارية.
ج. لوائح الضبط الإداري (لوائح البوليس)
- هدفها المحافظة على النظام العام، الصحة العامة، الأمن العام، الآداب العامة.
- تصدر غالبًا عن رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء.
د. اللوائح التفويضية: تصدر بموجب تفويض صريح من المشرع للسلطة التنفيذية في تنظيم موضوع معين.
التمييز بين التشريعات العادية واللوائح
| وجه المقارنة | التشريعات العادية | اللوائح |
|---|---|---|
| الجهة المصدرة. | مجلس النواب. | رئيس الجمهورية / رئيس الوزراء / الوزراء |
| الطبيعة القانونية | أعلى درجة بعد الدستور | أدنى درجة من التشريعات العادية |
| الرقابة عليها | رقابة دستورية فقط | رقابة قضائية من مجلس الدولة |
| إمكانية التفويض | لا يجوز تفويضها إلا بنص دستوري صريح | يمكن تفويضها قانونًا |
| قوة الإلزام | إلزامية على كافة السلطات | تابعة للقانون، لا تتجاوزه |
دور القضاء الإداري والدستوري في الرقابة على التشريعات واللوائح
١- دور مجلس الدولة (القضاء الإداري)
- يختص القضاء الإداري بإلغاء اللوائح غير المشروعة، إذا تعارضت مع القانون أو صدرت من غير مختص.
- وفقًا للمادة (١٠) من قانون مجلس الدولة رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٢، يختص القضاء الإداري بالنظر في: "الطعون في القرارات الإدارية النهائية، ويعد من قبيل القرارات الإدارية القرارات التنظيمية العامة (اللوائح)..."
٢- دور المحكمة الدستورية العليا
- تختص المحكمة الدستورية العليا بمراقبة مدى توافق القوانين (التشريعات العادية) مع أحكام الدستور.
- تختص أيضًا بالنظر في دستورية اللوائح إذا تجاوزت القانون أو خالفت الدستور.
وقد أرست المحكمة الدستورية العليا في العديد من أحكامها مبادئ مهمة بشأن العلاقة بين التشريعات واللوائح، مثل: "إذا فوض القانون السلطة التنفيذية في إصدار لوائح مكملة له، وجب ألا تخرج عن حدود القانون، وإلا كانت مشوبة بعدم المشروعية." (الحكم رقم ٤٢ لسنة ١٦ قضائية دستورية)
تطبيقات قضائية هامة
- حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم ٢٣٦٦ لسنة ٤٣ ق.ع: ألغت فيه قرارًا لائحيًا لأنه خالف القانون المنظم للحق في التعيين.
- حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم ١٥ لسنة ٨ ق دستورية: قضت بعدم دستورية لائحة تنظيمية أخلّت بمبدأ المساواة المكفول في الدستور.
التوصيات
١- ضرورة الالتزام الصارم من السلطة التنفيذية بحدود التفويض القانوني.
٢- أهمية تفعيل رقابة القضاء الإداري على اللوائح غير المشروعة.
٣- تعديل بعض القوانين التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات تشريعية واسعة على خلاف مبدأ التدرج التشريعي.
يعد التمييز بين التشريعات العادية واللوائح من القواعد الأساسية لضمان سيادة القانون في الدولة القانونية. وتظهر أهمية هذا التمييز في التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وفي حماية الحقوق والحريات من تعسف السلطة. ويظل القضاء الإداري والدستوري هو الحصن الحصين للرقابة على المشروعية واحترام تدرج القواعد القانونية.
