تعريف مبدأ المشروعية
يقصد بمبدأ المشروعية أن تكون تصرفات الإدارة العامة وكافة سلطات الدولة ملتزمة بالقانون، وألا يصدر أي فعل أو قرار إلا بموجب نص قانوني يجيزه أو يستند إليه. فكل سلطة تمارس اختصاصًا معينًا يجب أن تكون مفوضة بذلك قانونًا، وإلا اعتُبر تصرفها باطلًا. ويُعبر عن هذا المبدأ بصيغ متعددة منها: "سيادة القانون"، أو "خضوع الدولة للقانون"، أو "حكم القانون" (Rule of Law)، وهي جميعها تدور في فلكٍ واحد.
![]() |
| قانونك yourlaw| القضاء الاداري و الدستوري موضوع مبدا المشروعية ونطاقها الدستوري |
مبدأ المشروعية في الدستور المصري
١- النصوص الدستورية التي تقرر مبدأ المشروعية
نص الدستور المصري الصادر في عام ٢٠١٤ (وتعديلاته ٢٠١٩) على مبدأ المشروعية في عدة مواضع تؤكد خضوع الدولة للقانون، نذكر منها:
المادة (٩٤): "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات." هذه المادة تُعد حجر الزاوية في ترسيخ مبدأ المشروعية، حيث تقر بسيادة القانون وخضوع الدولة له، بما في ذلك السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
المادة (١): "جمهورية مصر العربية دولة مستقلة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، نظامها ديمقراطي جمهوري، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون."
المادة (٩): "تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز." وتُستخلص من هذه المادة التزامات قانونية على الدولة لا يجوز مخالفتها، بما يعزز من تطبيق المشروعية.
المادة (٥٣): "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأي سبب آخر." يُفهم من هذه المادة أن أي تمييز مخالف للقانون يُعد انتهاكًا لمبدأ المشروعية.
مضمون مبدأ المشروعية في النظام الدستوري المصري
يشمل مبدأ المشروعية في الدستور المصري عدة أبعاد، منها:
أ- خضوع السلطة التنفيذية للقانون: لا يجوز للإدارة العامة أن تتخذ قرارًا أو تباشر عملًا دون أن يكون مستندًا إلى قانون، وتخضع قراراتها لرقابة القضاء الإداري (مجلس الدولة) للتأكد من مطابقتها للقانون.
ب- خضوع السلطة التشريعية للدستور: البرلمان، وإن كان هو الجهة المنوط بها إصدار القوانين، إلا أن هذه القوانين يجب أن تكون متوافقة مع الدستور، وإلا عُدّت غير مشروعة ويمكن الطعن عليها بعدم الدستورية.
ج- خضوع السلطة القضائية للقانون والدستور: حتى القضاء، على استقلاله، يلتزم في أحكامه بمقتضيات الدستور والقوانين النافذة، ويخضع لقواعد علنية الجلسات وحق الدفاع والمساواة أمام القانون.
الضمانات الدستورية لمبدأ المشروعية
أحاط الدستور المصري مبدأ المشروعية بعدد من الضمانات، أهمها:
١- الرقابة القضائية على أعمال الإدارة: وهي من اختصاص مجلس الدولة، وتُعد وسيلة أساسية لتكريس المشروعية في مواجهة السلطة التنفيذية.٢- الرقابة الدستورية على القوانين: يباشرها المحكمة الدستورية العليا طبقًا لنص المادة (١٩٢) من الدستور، وهي ضمانة لعدم خروج السلطة التشريعية عن المشروعية الدستورية.
٣- حق التقاضي المكفول للجميع كما في المادة (٩٧) من الدستور: "التقاضي حق مصون ومكفول للكافة. وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي، وتعمل على سرعة الفصل في القضايا. ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء."
أهمية مبدأ المشروعية في الدولة القانونية
يمثل مبدأ المشروعية أساس دولة القانون، ويُسهم في:
١- حماية حقوق الأفراد وحرياتهم.
٢- ضبط أداء السلطات العامة ومنع تعسفها.
٣- تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة.
٤- ضمان العدالة والمساواة أمام القانون.
موقف الفقه والقضاء من مبدأ المشروعية
أكد الفقه القانوني المصري أهمية مبدأ المشروعية، ومن أبرز ما قاله الدكتور عبد الحميد متولي في كتابه "مبادئ القانون الدستوري": "إن المشروعية ليست فقط مبدأ قانونيًا بل فلسفة حكم، تتجلى في خضوع جميع سلطات الدولة للقانون، وإلا تحولت الدولة إلى أداة استبداد."
أما القضاء، فقد كرّست المحكمة الدستورية العليا في العديد من أحكامها هذا المبدأ، منها الحكم الصادر في القضية رقم ١٣١ لسنة ٢٠ ق دستورية، والذي جاء فيه: "إن خضوع الدولة للقانون هو من مقتضيات النظام الديمقراطي السليم، ولا يجوز لأي سلطة أن تتجاوز الدستور أو تقيد الحقوق المكفولة للمواطنين إلا وفقًا للقانون."
نطاق مبدأ المشروعية في النظام الدستوري المصري
يتحدد نطاق مبدأ المشروعية في الدستور المصري في عدة محاور رئيسية:
١- خضوع جميع السلطات للدستور والقانون: النطاق الأشمل للمشروعية هو أن جميع سلطات الدولة، من تشريعية وتنفيذية وقضائية، خاضعة لحكم القانون، فلا يجوز للسلطة التشريعية أن تُصدر قانونًا يخالف الدستور، ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن تُصدر قرارًا يخالف القانون، ولا يجوز للسلطة القضائية أن تُصدر حكمًا بغير سند قانوني.
٢- الرقابة القضائية على دستورية القوانين: تختص المحكمة الدستورية العليا بالرقابة على دستورية القوانين، ضمانًا لاحترام مبدأ المشروعية. وقد أكدت المحكمة في العديد من أحكامها أن: "السلطة التشريعية، وإن كانت حرة في اختيار مضمون القوانين التي تضعها، فإنها مقيدة بالتزام جوهري، هو ألا تنال هذه القوانين من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور." [الطعن رقم ٧ لسنة ٨ قضائية دستورية – جلسة ١٥ يونيو ١٩٩١]
٣- ضمانة الحقوق والحريات في ظل مبدأ المشروعية: المشروعية لا تقتصر على تنظيم سلطات الدولة، بل تُعد ضمانة لحماية الحقوق والحريات. فكل تدخل من الدولة في حرية من الحريات يجب أن يكون مبررًا بنص قانوني، ويُراعى فيه مبدأ التناسب والضرورة.
٤- عدم رجعية القوانين وضمان استقرار المراكز القانونية: من أبرز مقتضيات مبدأ المشروعية أن يكون القانون عامًا ومجردًا، ولا يسري بأثر رجعي إلا إذا كان أصلح للمتهم – وفقًا لنص المادة ٩٥ من الدستور.
صور خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية
يتجلى خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية في عدة صور قانونية، منها:
١- خضوع تصرفات الإدارة للقانون: لا يجوز للإدارة إصدار قرارات أو اتخاذ إجراءات تنفيذية إلا إذا كانت مستندة إلى سند قانوني. فإذا اتخذت الإدارة قرارًا لا يستند إلى القانون أو يخالفه، فإن هذا القرار يكون معيبًا ومعرضًا للإلغاء القضائي.
٢- احترام تدرج القواعد القانونية: يلزم الإدارة الالتزام بالترتيب الهرمي للقواعد القانونية (الدستور، ثم القوانين، ثم اللوائح). فلا يجوز للإدارة مثلًا أن تصدر لائحة تنفيذية تخالف أحكام القانون، وإلا كانت مشوبة بعيب عدم المشروعية.
٣- خضوع الإدارة لرقابة القضاء الإداري: يتمثل أبرز مظاهر مبدأ المشروعية في أن القضاء الإداري – ممثلًا في مجلس الدولة – يختص برقابة مدى قانونية تصرفات الإدارة، سواء من حيث الشكل أو الاختصاص أو السبب أو المحل أو الغاية، وهو ما نصت عليه المادة (١٩٠) من الدستور.
الطبيعة الملزمة لمبدأ المشروعية للإدارة
مبدأ المشروعية ليس مجرد توجيه أخلاقي أو تنظيمي للإدارة، بل هو مبدأ قانوني ملزم، تُرتب مخالفة أحكامه آثارًا قانونية بالغة، منها:
١- بطلان القرارات الإدارية المخالفة للقانون.
٢- جبر الضرر الناتج عن تصرفات الإدارة غير المشروعة بالتعويض.
٣- مسؤولية الموظف العام تأديبيًا أو جنائيًا حال تجاوزه حدود القانون.
وقد أكد مجلس الدولة المصري في أحكامه على أن الإدارة لا تملك سلطة تقديرية تُطلقها من قيد المشروعية، وإنما تلتزم بمبدأ "السلطة المقيدة" متى كان القانون ينظم كيفية التصرف والإجراء.
