recent
الموضوعات

تعريف القانون الاداري والفرق بينه وبين القانون الدستوري

يُعد القانون الإداري أحد الركائز الأساسية في منظومة القانون العام الداخلي، حيث يحكم نشاط الإدارة العامة ويضع القواعد المنظمة لعلاقتها بالأفراد. وتتشابك أحكامه بشكل وثيق مع القانون الدستوري الذي يمثل الإطار الأعلى للقواعد القانونية في الدولة. ويتطلب فهم طبيعة القانون الإداري في النظام القانوني المصري إلقاء الضوء على تعريفه وخصائصه، ثم بيان أوجه الالتقاء والافتراق مع القانون الدستوري، خاصة في ضوء أحكام القضاء الإداري المصري الذي أسهم بشكل كبير في صياغة مبادئ هذا القانون وتطويره .

منصة قانونك| تعريف القانون الاداري والفرق بينه وبين القانون الدستوري

يتناول هذا البحث دراسة متعمقة للقانون الإداري من حيث مفهومه ونطاق تطبيقه، ثم ينتقل إلى تحليل العلاقة المتداخلة بينه وبين القانون الدستوري، مع التركيز على التطبيقات العملية في القانون المصري، مستندين إلى أحكام المحكمة الإدارية العليا ومحكمة القضاء الإداري التي أسهمت في ترسيخ المبادئ المستقرة في هذا المجال.

تعريف القانون الإداري ونطاق تطبيقه

أولاً: المفهوم الاصطلاحي للقانون الإداري

يمكن تعريف القانون الإداري بأنه "فرع من فروع القانون العام الداخلي، يتضمن مجموعة القواعد القانونية التي تنظم نشاط الإدارة العامة أثناء تأدية وظائفها الإدارية، وتبين كيفية إدارتها للمرافق العامة واستغلالها للأموال العامة، بالإضافة إلى تحديد علاقة الدولة بموظفيها من حيث التعيين والترقية والتكليف والإعارة وغير ذلك من العلاقات" . وهو بهذا المعنى يختلف عن فروع القانون الأخرى من حيث نطاق تطبيقه وطبيعة القواعد التي يحكم بها.

وقد عرفت المحكمة الإدارية العليا المصرية القانون الإداري من خلال تعريفها للقرار الإداري بأنه "كل إفصاح من جانب الإدارة العامة يصدر صراحة أو ضمناً من إدارة هذه المصلحة في أثناء قيامها بأداء وظائفها المقررة لها قانوناً في حدود المجال الإداري، ويقصد منها إحداث أثر قانوني ويتخذ صفة تنفيذية" . وهذا التعريف القضائي يعكس الرؤية التطبيقية للقانون الإداري في مصر.

خصائص القانون الإداري

يتميز القانون الإداري بمجموعة من الخصائص التي تجعله متفرداً عن غيره من فروع القانون  :

١. القانون الإداري حديث النشأة: تعتبر فرنسا المهد الرئيسي للقانون الإداري، حيث لم يولد إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم تتبلور مبادئه وأسس نظريته إلا مع بداية القرن العشرين. وقد نشأ في مصر متأثراً بالنموذج الفرنسي، خاصة مع إنشاء مجلس الدولة المصري عام ١٩٤٦.

٢. قانون غير مقنن: يقصد بعدم تقنين القانون الإداري أنه لا يوجد مجموعة تشريعية واحدة تحتوي على كافة النظريات والمبادئ والقواعد الرئيسية لهذا القانون. ويعود ذلك إلى أن نشأة القانون الإداري كانت قضائية، بمعنى أن أحكام القضاء هي من بلورت وصقلت قواعده ومبادئه. ومع ذلك، لا ينفي ذلك وجود تقنين جزئي لبعض موضوعاته مثل قانون الوظيفة العامة وقانون تنظيم القضاء الإداري.

٣. قانون سريع التطور: تمتاز قواعد القانون الإداري بالمرونة والقابلية للتغيير والتطور نظراً لطبيعة المواضيع التي ينظمها، فهي مرتبطة بتطور الحياة الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا يختلف عن قواعد القانون الخاص التي تمتاز بالثبات والاستقرار.

٤. قانون قضائي: يتميز القانون الإداري بأنه قانون قضائي النشأة، حيث نشأ عن طريق المبادئ والقواعد التي خلقها القضاء الإداري. وقد ساعد على ذلك عدم تقنين أغلب قواعده، فكان لابد للقضاء أن ينهض بهذه المهمة من خلال وضع أسس ونظريات القانون الإداري.

نطاق تطبيق القانون الإداري

يطبق القانون الإداري على نشاط السلطة التنفيذية فيما يتعلق بالوظيفة الإدارية، ويشمل ذلك  :

  • تنظيم المرافق العامة وإدارتها

  • ضبط نشاط الأفراد للحفاظ على النظام العام

  • تنظيم الوظيفة العامة وحقوق وواجبات الموظفين

  • إدارة الأموال العامة والتصرف فيها

  • الرقابة على أعمال الإدارة من خلال القضاء الإداري

تعريف القانون الدستوري 

مفهوم القانون الدستوري

القانون الدستوري هو "القانون الأعلى والأساس في الدولة، والذي ينظم القواعد القانونية التي تتعلق بنظام الحكم في الدولة والسلطات العامة فيها والعلاقة بينهما، وحقوق وحريات الأفراد، والضمانات التي تكفلها" . وهو بذلك يمثل الإطار العام الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها.

ويمكن القول بأن القانون الدستوري يتناول الهيكل الأساسي للدولة من حيث:

  • تكوين السلطات العامة (التنفيذية والتشريعية والقضائية).

  • تحديد اختصاصات كل سلطة والعلاقة بينها.

  • بيان الحقوق والحريات العامة للأفراد.

  • وضع الضمانات الدستورية لحماية هذه الحقوق.

مكانة القانون الدستوري في الهرم القانوني

يحتّل القانون الدستوري قمة الهرم القانوني في الدولة، حيث يعلو على جميع القوانين الأخرى التي يجب أن تتقيد به وتحترم نصوصه . وقد عبرت المحكمة الدستورية العليا المصرية في العديد من أحكامها عن هذه المكانة، مؤكدة أن الدستور هو الوثيقة العليا التي تستمد منها جميع القوانين شرعيتها.

العلاقة بين القانون الإداري والقانون الدستوري

أولاً: أوجه الالتقاء والتكامل

١. الانتماء المشترك للقانون العام الداخلي: يلتقي القانون الإداري مع القانون الدستوري في كونهما فرعين من فروع القانون العام الداخلي، حيث ينظمان علاقات الدولة بوصفها صاحبة سيادة . وهذا الانتماء المشترك يفسر التداخل الوثيق بينهما.

٢. علاقة الأساس بالتفصيل: يمكن النظر إلى العلاقة بين القانونين باعتبار أن القانون الدستوري يضع الأحكام الكلية أو العامة للسلطة التنفيذية، بينما يضع القانون الإداري القواعد التفصيلية التي تكفل تشغيل الأجهزة الإدارية وأدائها لوظيفتها. فالقانون الإداري يكون بذلك امتداداً للقانون الدستوري.

وقد عبر الفقيه الفرنسي "بارتلمي" عن هذه العلاقة بتشبيه دقيق حيث قال: "إن القانون الدستوري يبين لنا كيف شُيِّدت الآلة الحكومية، أما القانون الإداري فيبين كيف تسير هذه الآلة وكيف تقوم كل قطعة منها بوظيفتها" .

٣. التأثير المتبادل: يتضمن القانون الدستوري موضوعات تؤثر بشدة في القانون الإداري وترسم مسار قواعده. ومن أبرز هذه الموضوعات  :

  • الأحكام الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات العامة.

  • تنظيم السلطة التنفيذية واختصاصاتها.

  • مبدأ المشروعية الذي تلتزم به الإدارة.

  • تنظيم مبدأ اللامركزية المحلية.

ثانياً: نقاط التمايز والافتراق

١. من حيث الموضوع: يبحث القانون الدستوري في التنظيم السياسي للدولة من حيث تكوين سلطات الدولة الثلاث والعلاقة بينهما، في حين يبحث القانون الإداري في أعمال السلطة التنفيذية الإدارية منها دون الحكومية . فالقانون الدستوري يحكم نشاط السلطة التنفيذية بوصفها سلطة حكم (قانون الحكم)، بينما يحكم القانون الإداري نشاطها بوصفها سلطة إدارة (قانون الإدارة) .

٢. من حيث نطاق القواعد: يضع القانون الدستوري المبادئ الأساسية العامة، في حين يضع القانون الإداري القواعد التفصيلية التطبيقية. فالأول يقرر المبادئ الأساسية للقانون العام في الدولة، والثاني يضع هذه المبادئ موضع التنفيذ في الحياة اليومية .

٣. من حيث التدرج القانوني: يحتل القانون الدستوري قمة الهرم القانوني، ويجب أن تتقيد به جميع القوانين الأخرى بما فيها القانون الإداري. فالقانون الدستوري هو القانون الأساسي الذي يسمو على كافة القوانين الأخرى .

ثالثاً: تجليات العلاقة في القانون المصري

١. مبدأ المشروعية: يعد مبدأ المشروعية من أبرز تجليات العلاقة بين القانون الدستوري والقانون الإداري في النظام القانوني المصري. فالإدارة ملزمة بأن تكون قراراتها متفقة مع القوانين النافذة بمعناها الواسع، بدءاً من الدستور ومروراً بالقوانين الشكلية وانتهاءً باللوائح . وقد أكدت المحكمة الإدارية العليا المصرية هذا المبدأ في العديد من أحكامها.

٢. الحقوق والحريات العامة: يضع الدستور المصري الإطار العام للحقوق والحريات، ويأتي دور القانون الإداري لتنظيم ممارسة هذه الحقوق بما لا يمس جوهرها. وقد عبرت المحكمة الدستورية العليا المصرية عن هذا المعنى من خلال تبنيها لنظرية "جوهر الحق" التي تعني أن تنظيم الحقوق والحريات ينبغي أن لا يصيب جوهر الحق أو نواته .

٣. اللامركزية الإدارية: تتضمن الدساتير المصرية العديد من الأحكام المتعلقة بتنظيم اللامركزية المحلية، مما يعني إحاطة هذا المبدأ بضمانة دستورية. ويقوم القانون الإداري بوضع القواعد التفصيلية المنفذة لهذه الأحكام الدستورية.

المبادئ المستقرة في القضاء الإداري المصري

أسهم القضاء الإداري المصري بشكل كبير في ترسيخ المبادئ القانونية التي تحكم العلاقة بين الإدارة والأفراد، وفيما يلي أبرز هذه المبادئ :

أولاً: مبدأ شرعية الإدارة: يقضي هذا المبدأ بأن جميع القرارات الإدارية يجب أن تكون مطابقة للقانون، ويمنع تجاوز الصلاحيات الممنوحة للإدارة. وقد كرست المحكمة الإدارية العليا هذا المبدأ في أحكامها العديدة.

ثانياً: مبدأ عدم التعسف في استعمال السلطة: يمنع هذا المبدأ استخدام السلطة الإدارية لتحقيق أغراض شخصية أو غير قانونية، ويوجب أن يكون القرار الإداري متناسباً مع الهدف المشروع.

ثالثاً: مبدأ المساواة بين المواطنين: جميع المواطنين أمام القانون متساوون في الحقوق والواجبات، ويمنع التمييز بينهم في القرارات الإدارية. ويجب أن تكون معايير منح التراخيص والخدمات العامة موحدة للجميع.

رابعاً: مبدأ استقرار القرارات الإدارية: القرارات الإدارية يجب أن تكون قابلة للتطبيق بثبات حتى يتم تعديلها وفق القانون، ويمنع تغييرها بشكل تعسفي أو متكرر دون مبرر قانوني.

يتضح مما تقدم أن القانون الإداري والقانون الدستوري يشكلان معاً النسق المتكامل للقانون العام الداخلي في مصر. فإذا كان القانون الدستوري يمثل الإطار الأساسي الذي يحدد شكل الدولة وسلطاتها والحقوق العامة للأفراد، فإن القانون الإداري يمثل الأداة التنفيذية التي تحول هذه المبادئ إلى واقع ملموس في حياة المواطنين اليومية.

وقد أسهم القضاء الإداري المصري، ممثلاً في المحكمة الإدارية العليا ومحكمة القضاء الإداري، بدور بارز في صياغة مبادئ القانون الإداري وتطويرها بما يتوافق مع أحكام الدستور. كما أن الرقابة الدستورية التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا على القوانين، بما فيها قوانين الإدارة، تمثل ضمانة أساسية لاحترام مبدأ سمو الدستور وتأثيره في توجيه القانون الإداري.

وتظل العلاقة بين القانونين علاقة تكامل وتفاعل مستمرين، تتجلى في مبدأ المشروعية الذي يلزم الإدارة باحترام قواعد الدستور والقانون، وفي حماية الحقوق والحريات العامة التي كفلها الدستور ونظمها القانون الإداري، وفي تنظيم السلطة التنفيذية الذي يبدأ بوضع قواعده الأساسية في الدستور وينتهي بتفصيلاتها الدقيقة في قواعد القانون الإداري.

google-playkhamsatmostaqltradentX